يالشوق قلبى إليك ..غدا سنعود وتعود

الأربعاء، نوفمبر 03، 2010

تغريبة عشق


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كم أشتاق لكل ركن بمدونتي ولكل تعليقاتكم ونقاشكم الرائع
جئت اليوم لأهديكم " قصة " إن جاز التعبير بهذا :)
---------------------------------------------------------------------------



" تغريبة عشق "


يفتح عينيه نصف مغمض ونصف واع .. تتسع الحدقة أكثر يحدق بفراغ الغرفة الواسع .. هل مات حقا أهذا سكون جنة أم خرسة حجيم ينظر للسقف نعم هو لازال هنا يعرف هذا المصباح المعوج الذى تعارك مع الكهربائى الذى قال بعد تركيبه:- " هى الموضة كده يا بيه ".. يحاول جمع شتات نفسه المبعثرة فيقول بصوت وهن :- " صبا " كم الساعة الآن؟ تشق حروفه عبق الصمت بعبرة يائس .. ليست هنا تجيبه نفسه بألم ويقرعه عقله لقد رحلت يا زميل ألا تذكر .

ينتفض واقفا يبحث عن ساعته أو جهاز اتصاله ليعرف هل نام بما فيه الكفاية قاتلا الوقت .. كم يتمنى لو رحل كما يرحل الناس جميعا ولتبكى أمه فلعلها لن تبكى طويلا وليحزن أصدقاؤه قليلا فما بقى منهم قد لا يلحظ فقده ولتعرف " صبا " ذلك ليتها تعرف فعيونها السوداء تزينها الدمعات حقا .

يفيق من تأملاته المعتادة على رنين هاتفه .. أحدهم يهتم لأمره .. يجيب : نعم ويصمت مجددا ويردف بنعم ثم يرمى جواله بعيدا .. سحقا لكم جميعا تستمتعون بعذابى ..

يخرج يلفحه هواء الممر البارد ورائحة أقرب لرائحة العفن .. منذ متى يا ترى لم تأتى " أم هانى " لتنظف الشقة ماعاد يتذكر .. يدخل الحمام يحاول عبثا اشعال أى مصباح جميعها تلفت يالعناد الكون معه .. يفتح الشباك تصطدم عيناه بضوء الشمس الساطع يهتم بشؤونه ومن ثم يلتقط فرشاته .. أف نفذ المعجون يضع صابونا وينظف أسنانه يبتسم يتذكر كيف كان يحب هذا النوع من اللهو فى طفولته غسل أسنانه بالصابون وصنع فقاعات كبيرة ..

تلتقط أذناه صدى ضحكات " صبا " عندما أخبرها بذلك فيعبس وتختنق روحه.. ينظر بالمرآة :- رجل بائس ذقن غير مرتب وعينان غائرتان كمريض سُل وقلب يحتضن الحزن .. يبكى .. يتذكر نفسه ما عاد هو .. يرتدى ملابسه يضع عطره بكثرة
ينظر لنفسه مجددا :- لقد مات حيا.

بالمحكمة تجلس " صبا " بالصف الأول وبجوارها صديقتها " ليلى " تنظر له الأخيرة بأسى ولعلها تتمتم : تعبث حتى بأحلامك يا فتى ..

يتكلم الجميع وهو صامت .. الآن هو يذكر .. يذكر كل شىء .. عينى " صبا " التفاتها الرشيقة صوتها العذب ودموعها .. نعم دموعها عليه .. توسلاتها له .. فرط تذمره منها .. محاضرات له كان يسمعها لها عن ضغط الحب واختناقه وحريته التى تقيدها وروحه التى لم تعد تفهمها .. يتذكر أيام دراسته ولهفة "صبا" وبراءتها .. ضفائرها الطويلة .. قرارها بالحجاب وفرحها بخمار أهداه لها .. عنادها الطفولى .. رقة محبتها ووفاء روحها .. وخسة منطقه وازدواج مبادئه .. استجداؤه لأفكار كان يرفضها سابقا وصبرها على تخبطه وعثراته .. نصحها المهذب وجفاؤه البادى .. شكواها فى محرابها وتعنيفه لها .. غبى يعنفها لأنها تناجى خالقه وتشكوه .. آآآآآه من بؤسه .. سهرها بجوار والدته حينما مرضت ولومه لها بأنها تغفل شؤون منزلها .. ترحاله الدائم وعلاقاته العابرة واتقانه دور"دون جوان" وبقايا صورته المهشمة فى عينيها .. أسفاره وزهور وطئها بقدميه ظنا أن الفروسية جواد يركض للا نهاية .. اتصالات منتصف الليل وعزوفه عن "صبا " والتحافها الأمانى وحيدة ..

حديثها عن حروف لم يعد يكتبها لها وغضبة رمقها بها وسيل اتهامات سمعتها فأخرست وميض نظراتها .. شغفه الدائم بالبحث عن حبه المفقود كأعمى بيد مقطوعة فلا هو يرى بناظريه ولا يستشعر بلمسه..

"صبا " وغبطة أصحابه له وخيلائه بهذا فهو من يمتلك وهم من يتطلعون .. صوتها تشدو لعصفورها ومحاضرة أسمعها لها أن عليها أن تطلق سراحه فهى تسجنه تربيه وتطعمه وتغنى له ولكنها تخنق حريته وانطلاقه ..

يتذكرهواياته التحاقه بمجمع الارشاد السياسى وقلقها عليه حزن بات يزين صوتها ونعته إياها بقاصرة الفهم والتفهم .. زميلاته بالمجمع وتجاربهن الفاشلة وتفقده أحوالهن بتمعن يبتسم لعله فعلا أخطأ .. غيرتها عليه وبكاءها عندما عرفت أنه يوصل زميلته محل سكنها وتذمره من جهلها وقصور مفاهيمها .. قلب يغلى كمرجل وحب لم يعد يعرف له وطنا ..

أيام زواجهما الأُول وفرحته بأنه من قطف الثمرة وسعادتها به .. شهور أمضاها بعيدا مع أسفاره وصوتها العذب داعيا له .. وهن بادى بها بعد انجابها أولى لبنات حبهما وتصوره الدائم أن صباها بدأ يندثر ..

"صبا" حنان يغمره وقسوة قلبه تبدد بهاءه .. "صبا" وطن غربته أسفاره عنه .. "صبا" عمر يمضى وميثاق وفاء عده لجفاوته قيدا يكبله .."صبا" امرأة قهرها ببلادة سياف قاس .. "صبا" ربيع عمره يرحل .

لم يعد يرى .. عيناه لا تبكى .. روحه فقط هى التى تئن .. أنادم هو لعله ذلك لكنه الآن يحتاجها أكثر من أى وقت مضى .. يحتاج أن يعانق كفها ليعتذر ليخبرها أنه لا يستحق ودادها .. لتسامحه لتغفر له وتبتسم .. لتغنى له وتهدهد آساه فيهدأ .. ليعترف لها أنها الوطن .

يمسك مقبض القاعة بعنف ويخرج لم يعد يود سماع المزيد هو حقا لم يكن يفهم ما قالوا لكن ذبذبات حديثهم تؤذيه .. يمشى ينظر بعيون الناس عل أحدهم احتضنه ليبكى .. يجلس بكرسى ويصمت ما عاد قادرا على الاحتمال منذ متى استوحش روحه هكذا .. يغمض عينيه .. تلتقط أذناه صيحات مكبر " حى على الصلاة " ينهض يتوضأ يصلى ويسجد فيبكى .. حرقة وغصة تؤلم قلبه .. تهتف روحه يا الله يا الله ويبكى مطولا فتسكن روحه قليلا ليته يستطيع العبث بعداد الزمن ليسطر سعادته من جديد

يعبس القاضى ويعتدل فى جلسته تتعلق كل العيون به تبكى "صبا" .. تطلب "ليلى" من المحامى وقتا إضافيا لتحدث زميلتها .. يتأمل المحامى مقعد خصمه بحنق .. لقد رحل .. لم ينتظر حتى ليسمع الحكم .. يخبر المحامى "صبا" أن الوقت ضيق ويعتذر لها فالقانون لابد أن يقيم حقوقها ..

تتذكر "صبا" صباها .. ضفائر كان يتغزل بها "نمير" أيام الجامعة .. قرارها بالحجاب وخمار أهداها إياه لازلت تحتفظ به .. كثرة أسفاره وطموحه المتقد واحساسها بالوحشة .. ملابسه التى تصر على كيها بنفسها وبسمة امتنان منه كانت تحبها .. اهتمامه بالسياسة وخوفها أن يؤذيه أحدهم ببلاد بها الانسان أرخص الموجودات .. زميلات له تتخيلهن دوما ساحرات شريرات يأخذنه منها .. ترحاله وتقلب مزاجه وتقصيرها باحتوائه .. قصيدة شعر أهداها أخرى فتألمت ولكنها قست عليه .. ليتها اختارت كلمات أقل جفاءا مما قالت .. حب لم تعرف سطورها غيره .. وشجاعة تفتقدها للحفاظ عليه أكثر .. سعادة تراها بقسماته فتحلق روحها عاليا .. قسوته ذلك اليوم ودموعها التى لم يعرها اهتماما .. انتفاضة ثورة حلت بها فصارحته بعدم قدرتها على التمثيل أكثر فليرحل إذن .. زهرة أنجبتها وسجدت شكرا لأنها أخذت غمازتى حسنه ولعلها غدا تأخذ طموحه وجمال روحه .. نعته إياها بمن لا تفهم ونعتها إياه بالناكر المتنكر ..

مشاعرها تطوحها الآن يمنة ويسارا .. لم الآن قد حسمت أمرى لم أعد أرضى غروره ولم يعد يريدينى فلست أريده أبدا .. فليرحل

ميثاق تعهدا بحفظه .. هو من خان .. هى أيضا من عاندت بقسوة .. هو لا يحتاجها فلديه مرافىء عدة تسقيه ودا هو من أخبرها بنفسه ..قال مرارا: الحب مرفأ شاطىء منارة تومض من بعيد .. الحب بلا وطن .. الحب ترحال متجدد .. نفس تبحث وتبحث وتظل تبحث .. فتخبره أنه الوطن فيغضب .. ليته عرف كم أحبته وكم تحتاجه.. ليته فهم أن قصور فهمها لأنها منذ زمن تدور بفلكه فقط .. ليته أشفق على نفسه واحتوى حنقها عليه .. ليتها لم تترك منزلها ليتهما عالجا الأمر بهدوء.. ليته الآن يعود لتسامحه ويغفر لها .. شاحب وجهه لكم قست عليه ..

تخبر "ليلى" بهذا هى من قست .. تحتضنها "ليلى" تفلتها وتعدو تعدو "صبا" تطلب من الجميع أن يصمت وتتوسل للقاضى أن يمزق ورقة طالبت بها لا هى لم تطالب أبدا بذلك هم فعلوا هذا .. يطلب القاضى من الجميع أن يهدأ ويؤجل القضية ويتوعد المحامى لتبديد وقت المحكمة بأناس لا يعرفون ما يريدون .

تخرج من القاعة لابد أن تراه وليفعل الجميع ما بدا لهم .. يحتضن كفها فيبكى وتبكى لا تكفى عبارات اعتذار العالمين لتسطر أسفه لها ولا تكفى عبراتها لتجيبه أنها تسامحه يخبرها أنها الوطن ويرحل للأبد

بعد عشر سنوات تتفقد أوراقا له تجد قصاصة تحمل :-

تسائلينى أأحبك

وتجيبك عيناى بكثير

ليتكِ يا فاتنة الحى تدركين

أن الأوطان راحتيك وعبير ودك

دمتِ وطنى

تكتب بجوارها :- وكانت لنا أوطان

تسلم روحها مبتسمة فلم تعد ترتجى إلا صحبة أنس تجمعهما
فشوق الأحبة محقق الوصل

------------------------
وعذرا على النكد :D